رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
149
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
وفي خطبة من خطب نهج البلاغة : « أيّها الناس ، إنّا قد أصبحنا في دهرٍ عَنود ، وزَمَنٍ كَنودٍ « 1 » ، يُعَدُّ فيه المحسنُ مسيئاً ، ويزدادُ الظالمُ فيه عُتُوّاً ، لا نَنْتَفِعُ بما عَلِمْنا ، ولا نَسألُ عمّا جَهِلْنا ، ولا نَتَخَوَّفُ قارعةً حتّى تَحُلَّ بنا ، فالناس على أربعة أصنافٍ : منهم : من لا يَمْنَعُه الفسادَ في الأرض إلّامَهانةُ نَفْسِه وكَلالةُ حَدّه ، ونَضيضُ وَفْرِه . « 2 » ومنهم : المُصْلِتُ « 3 » بسيفه ، والمُعْلِنُ بشَرّه ، والمُجْلِبُ بخَيْله ورَجله « 4 » ، قد أشْرَطَ نفسَه ، وأوبَقَ دينَه لحطامٍ يَنتَهِزُه ، أو مِقْنَبٍ « 5 » يَقودُه ، أو منبرٍ يَفْرَعُه ، ولبئسَ المَتجَرُ أن ترى الدنيا لنفسك ثمناً ، وممّا لك عند اللَّه عِوَضاً . ومنهم : من يَطلُبُ الدنيا بعمل الآخرة ، ولا يَطلُبُ الآخرةَ بعمل الدنيا ، قد طامَنَ من شَخْصِه ، « 6 » وقارَبَ من خُطْوِه ، وشَمَّرَ من ثوبه ، وزَخْرَفَ من نَفْسِه للأمانة ، قد اتّخذ سِتْرَ اللَّهِ ذريعةً إلى المعصية . ومنهم : مَنْ أقعده « 7 » على طلب الملك ضُؤولة « 8 » نفسه ، وانقطاع سببه ، فقَصَرَتْهُ الحالُ على حاله ، فتَحَلّى باسم القناعة ، وتزيّن بلباس أهل الزهادة ، وليس من ذلك في مَراحٍ
--> ( 1 ) . أي لاخير فيها . والكنود : الكفور . انظر : مجمع البحرين ، ج 3 ، ص 138 ( كند ) . ( 2 ) . النَّضيض والنَّضيضة من كلّ شيء : قليله . و « نَضيضَ وفره » أي قلّة ماله . راجع : لسان العرب ، ج 7 ، ص 236 ( نضض ) ؛ وج 5 ، ص 287 ( وفر ) ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 2 ، ص 176 . ( 3 ) . أصْلَتَ سيفَه : جَرّده من غِمْده . انظر : لسان العرب ، ج 2 ، ص 53 ( صلت ) . ( 4 ) . قال ابن أبي الحديد : « المُجلب ، اسم فاعل من أجلب عليهم ، أي أعان عليهم . والرَّجل ، جمع راجل ، كالركب جمع راكب ، والشرب جمع شارب » . شرح نهج البلاغة ، ج 2 ، ص 176 . ( 5 ) . المِقْنَب من الخَيل : ما بين الثلاثين إلى الأربعين . لسان العرب ، ج 1 ، ص 690 ( قنب ) . ( 6 ) . قال ابن أبي الحديد : « طامن عن شخصه ، أي خفض . وقارب من خطوه : لم يسرع ومشى رويداً » . شرحنهج البلاغة ، ج 2 ، ص 177 . ( 7 ) . في المصدر : « أبعده » . ( 8 ) . الضؤولة : الصغارة والحقارة . والضئيل : الصغير الحقير . راجع : لسان العرب ، ج 11 ، ص 388 ( ضأل ) .